الوقف المؤسسي للشركات: تحويل المسؤولية الاجتماعية إلى أصل مستدام
يمكن للشركة السعودية تحويل برامج المسؤولية الاجتماعية إلى أصل مستدام عبر وقف أصول أو أسهم، أو تأسيس مؤسسة أهلية بوصفها شخصًا اعتباريًا، أو الاشتراك في صندوق استثماري وقفي. ويتوقف من يملك القرار على النظام الأساس للشركة وحجم الأصول، والأحوط عرض الالتزامات الكبيرة على الجمعية العامة، مع تطبيق قواعد تعارض المصالح والإفصاح، خاصة في الشركات المدرجة التي تخصص لائحة حوكمة الشركات مواد للمسؤولية الاجتماعية.
7 دقائق قراءة · أكتوبر 2026
تنفق شركات كثيرة على المسؤولية الاجتماعية كل عام، ثم تبدأ من الصفر في العام التالي. الفكرة وراء وقف الشركات والمسؤولية الاجتماعية أن يتحول جزء من هذا الإنفاق إلى أصل دائم يدر غلة سنوية، بدل أن يكون بندًا قابلًا للإلغاء في أول ميزانية متقشفة. ويختلف ذلك عن التبرع المباشر في أن الأصل يبقى ويعمل لسنوات، بينما تُصرف الغلة فقط، فيتراكم الأثر بدل أن يتبدد. لكن السؤال القانوني يسبق السؤال الخيري: من يملك قرار الوقف داخل الشركة، وكيف يُحكم الكيان التابع حتى لا يصبح مصدر مخاطر؟
لماذا تتجه الشركات إلى الوقف المؤسسي؟
- الاستدامة: الغلة السنوية لأصل موقوف تمول البرامج دون الاعتماد الكامل على أرباح السنة.
- الفصل: كيان مستقل يدير العمل الخيري يقلل خلط الأموال والقرارات مع النشاط التجاري.
- الحوكمة والسمعة: وجود كيان منظم بتقارير دورية يعطي أصحاب المصلحة صورة واضحة عن الأثر.
- الاتساق مع الأطر التنظيمية: تخصص لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية (آخر تعديل في 18 يناير 2023) المادة الرابعة والثمانين للمسؤولية الاجتماعية والمادة الخامسة والثمانين لمبادرات العمل الاجتماعي.
من يملك القرار: مجلس الإدارة أم الجمعية العامة؟
لا توجد إجابة واحدة لكل الشركات، والمرجع الأول هو النظام الأساس أو عقد التأسيس. ومع ذلك، هناك قواعد عملية تحكم القرار:
- راجع حدود صلاحيات المجلس: هل يجيز النظام الأساس التبرعات أو التصرف في الأصول دون عوض؟ وهل يضع حدًا ماليًا لها؟
- قِس حجم الالتزام: وقف أصل جوهري أو التزام سنوي ممتد بنسبة من الأرباح يمس حقوق المساهمين في الأرباح، والأحوط عرضه على الجمعية العامة.
- ارجع إلى اختصاصات الجمعية العامة: في الشركات المدرجة، تنص المادة الثانية عشرة من لائحة حوكمة الشركات على أن من اختصاصات الجمعية العامة العادية اقتطاع مبالغ من الأرباح الصافية لأغراض اجتماعية لعاملي الشركة، وهو مؤشر على أن تخصيص الأرباح لأغراض اجتماعية شأن يعود للمساهمين.
- وثّق القرار: بقرار مجلس مسبب يتضمن الغرض والأصل والمبلغ والكيان المستفيد وآلية الحوكمة، ثم بقرار الجمعية إن لزم.
وتتوسع إجراءات عقد الجمعيات العامة عن بعد في تسهيل هذه الخطوة؛ راجع مقالنا عن الجمعية العامة عن بُعد.
الخيارات: وقف، مؤسسة أهلية، صندوق وقفي
| الخيار | كيف يعمل | دور الشركة | يناسب |
|---|---|---|---|
| وقف مباشر | توقف الشركة أصلًا (عقار أو أسهم أو نقد) بصك وقف، ويُسجَّل لدى الهيئة العامة للأوقاف | تحدد الشروط والناظر عند الإنشاء | أصل واضح يراد تأبيده |
| مؤسسة أهلية تابعة | تؤسس الشركة، بوصفها شخصًا اعتباريًا، مؤسسة أهلية بترخيص من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي | تشكّل مجلس الأمناء وتمولها | برامج تنفيذية وفريق عمل وشراكات |
| صندوق استثماري وقفي | تشترك الشركة بوحدات موقوفة في صندوق يديره مدير مرخص لصالح جهة غير ربحية مرخصة | واقف ومالك وحدات | مبالغ نقدية مع إدارة استثمارية احترافية |
تعرّف اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية المؤسسة الأهلية في مادتها الحادية والأربعين بأنها كيان يؤسسه شخص أو أكثر من ذوي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية، ما يتيح للشركة أن تكون مؤسِّسًا. وتفاصيل الصندوق في مقالنا عن الصندوق الاستثماري الوقفي، والمقارنة الكاملة بين الكيانات في مقال الوقف والمؤسسة والجمعية.
الأصول الموقوفة: نقد أم عقار أم أسهم؟
يوضح دليل الهيئة العامة للأوقاف جواز وقف الحصص في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والأسهم في شركات المساهمة، بشرط أن تعمل الشركات في أنشطة مشروعة، وتكون الأرباح غلة للوقف. ولكل نوع من الأصول اعتباراته:
- النقد: الأسهل في الوقف، لكنه يحتاج إلى إدارة استثمارية تحفظ قيمته من التآكل بمرور الوقت، ولذلك يُستعمل غالبًا مع الصناديق الوقفية أو مع ناظر لديه سياسة استثمار مكتوبة.
- العقار: يدر إيجارًا مستقرًا ويسهل فهم أثره لأصحاب المصلحة، لكن نقل ملكيته إلى الوقف قد يخضع لضريبة التصرفات العقارية؛ فالأصل وفق دليل الهيئة أن الأوقاف غير معفاة منها إلا في المناقلة الخالية من العوض.
- الأسهم أو الحصص: تربط غلة الوقف بأداء الشركة. ويتطلب وقف حصص في شركة تعديل عقدها وسجل الشركاء، وتحديد من يمارس حقوق التصويت عن الحصص الموقوفة حتى لا يتحول الوقف إلى أداة سيطرة غير منضبطة. كما أن غلة هذا النوع تتذبذب مع توزيعات الأرباح، فيحسن أن تتضمن الشروط سياسة لاحتجاز جزء من الغلة لسنوات الانخفاض.
الحوكمة وتعارض المصالح والإفصاح
أكبر مخاطر الوقف المؤسسي ليست في إنشائه، بل في العلاقة اللاحقة بينه وبين الشركة. ومن القواعد ذات الصلة في لائحة حوكمة الشركات للشركات المدرجة:
- من اختصاص الجمعية العامة العادية الترخيص في أن يكون لعضو مجلس الإدارة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الأعمال والعقود التي تتم لحساب الشركة (المادة 12).
- على المجلس إبلاغ الجمعية العامة العادية بالأعمال والعقود التي يكون لأحد أعضائه مصلحة فيها (المادة 21).
- على العضو الإفصاح عن مصلحته وعدم المشاركة في التصويت على القرار المتعلق بها (المادة 28).
- تنظم المادة الأربعون التعامل مع تعارض المصالح وصفقات الأطراف ذوي العلاقة.
وتطبيقًا لذلك، إذا كان أعضاء في مجلس الشركة هم أيضًا أعضاء في مجلس أمناء المؤسسة أو نظار في الوقف، فإن أي تعامل بين الشركة والكيان الخيري (عقد إيجار، أو خدمات، أو تمويل) يجب أن يمر بإجراءات تعارض المصالح. ويُستحسن:
- وجود أعضاء مستقلين في مجلس الأمناء أو مجلس النظارة.
- سياسة مكتوبة تمنع استخدام الكيان الخيري لتحقيق منافع تجارية مباشرة للشركة أو لأعضاء مجلسها.
- حسابات بنكية وسجلات مستقلة تمامًا عن الشركة.
قياس الأثر والتقارير
الوقف أو المؤسسة التابعة سيكون محل سؤال من المساهمين والجهات المشرفة. ويُلزم دليل الهيئة العامة للأوقاف النظار بتوثيق تصرفاتهم ومسك سجلات مالية للإيرادات والمصروفات وإعداد تقارير دورية عن حال الوقف تُقدَّم للمحكمة أو الهيئة عند الطلب، كما يلزم الأوقاف الكبيرة والمتوسطة باعتماد لوائح وسياسات داخلية. أما في الشركة نفسها، فتُعرض في تقرير مجلس الإدارة السنوي المساهمات الاجتماعية وفق متطلبات الإفصاح المنطبقة، ويُنسَّق المعالجة المحاسبية مع المراجع الخارجي.
ومن الممارسات الجيدة أن يتلقى مجلس إدارة الشركة تقريرًا سنويًا مختصرًا من الكيان الخيري، دون أن يتدخل في قراراته التفصيلية، حفاظًا على استقلاله وعلى وضوح المسؤوليات.
واجعل مؤشرات الأثر محددة من البداية: عدد المستفيدين، ونسبة الغلة المصروفة، وتكلفة البرامج إلى أثرها، بدل التقارير الوصفية العامة.
الشركات العائلية: حالة خاصة
في الشركة العائلية يتداخل ثلاثة أطراف: الشركة، والعائلة المالكة، والكيان الخيري. وكثيرًا ما يبدأ الوقف المؤسسي فيها بنية حسنة ثم يتحول إلى ساحة خلاف بين الفروع حول من يدير الوقف ومن يمثل العائلة فيه. لتجنب ذلك:
- اربط الكيان الخيري بميثاق العائلة، وحدد فيه معايير اختيار ممثلي العائلة في النظارة أو مجلس الأمناء.
- افصل بين قرارات الشركة التجارية وقرارات الكيان الخيري، حتى لا يُستخدم أحدهما ورقة ضغط في الآخر.
- إذا كان الوقف سيملك حصصًا في الشركة، فاحسم في عقد الشركة أثر ذلك على النصاب والأغلبيات وحقوق الأولوية عند بيع الحصص.
ماذا يحدث إذا بيعت الشركة أو اندمجت؟
الوقف لا يتبع الشركة في مصيرها؛ فهو شخصية مستقلة بذمة مالية مستقلة، ولا ينقضي ببيع الشركة أو اندماجها. لكن الالتزامات التي تبقى في يد الشركة، كالتزام سنوي بتمويل المؤسسة الأهلية أو بنسبة من الأرباح، قد تتأثر بتغيير السيطرة. لذلك:
- إذا كان التمويل التزامًا تعاقديًا، فحدد مدته وأثر تغيير السيطرة عليه بوضوح.
- في صفقات الاستحواذ، يفحص المشتري هذه الالتزامات ضمن الفحص النافي للجهالة، وقد يطلب إنهاءها أو تعديلها.
- الأصول التي انتقلت فعلًا إلى الوقف لا تعود إلى الشركة، وهذا هو جوهر الاستدامة التي يقدمها الوقف مقارنة بالتبرع السنوي.
خطوات التنفيذ في 90 يومًا
الجدول التالي إطار عمل تقديري لتنظيم المشروع داخليًا، والمدد الفعلية تتوقف على الجهات المختصة واكتمال المستندات:
- الأيام 1–15: قرار مبدئي من المجلس بدراسة الخيار، وتكليف فريق من الشؤون القانونية والمالية والاستدامة.
- الأيام 15–30: مراجعة النظام الأساس وصلاحيات المجلس، وتحديد الأصل المقترح وتقييمه، واختيار الهيكل (وقف أو مؤسسة أو صندوق).
- الأيام 30–45: صياغة شروط الوقف أو النظام الأساس للمؤسسة، وسياسة تعارض المصالح، وتشكيل مجلس النظارة أو الأمناء.
- الأيام 45–60: قرار المجلس النهائي، ودعوة الجمعية العامة إن لزم.
- الأيام 60–90: تقديم طلبات التوثيق أو الترخيص، ونقل الأصول، وفتح الحسابات، وإطلاق خطة البرامج الأولى.
أخطاء شائعة
- اتخاذ قرار الوقف بقرار من الرئيس التنفيذي أو المجلس دون التحقق من حدود صلاحياته في النظام الأساس.
- وقف أسهم أو حصص دون تنظيم حقوق التصويت المرتبطة بها.
- تعيين أعضاء المجلس أنفسهم نظارًا دون أعضاء مستقلين أو سياسة لتعارض المصالح.
- استخدام الكيان الخيري في التسويق التجاري المباشر بما يخالف أغراضه.
- تجاهل الآثار الضريبية لنقل العقار إلى الوقف.
- غياب مؤشرات أثر محددة، فيصعب الدفاع عن الإنفاق أمام المساهمين.
متى تحتاج إلى محامٍ؟
من لحظة طرح الفكرة على المجلس، لأن صياغة القرار وصلاحياته هي ما يحمي أعضاء المجلس من المساءلة لاحقًا. تجمع شركة محمود عادل الثمالي للمحاماة بين خدمات مجالس الإدارة وشركات المساهمة ضمن خدمات الشركات وأسواق المال، وخدمات هيكلة الأوقاف والمؤسسات ضمن خدمات القطاع غير الربحي. احجز استشارة لتصميم الهيكل المناسب لشركتك.
هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد استشارة قانونية لحالتك.
الأسئلة الشائعة
هل يجوز لمجلس الإدارة التبرع دون موافقة الجمعية العامة؟
يتوقف ذلك على النظام الأساس للشركة وحدود الصلاحيات التي يمنحها للمجلس. التبرعات المحدودة ضمن سياسة معتمدة قد تدخل في صلاحيات المجلس، أما وقف أصل جوهري أو تخصيص نسبة من الأرباح سنويًا فالأحوط عرضه على الجمعية العامة لأنه يمس حقوق المساهمين.
هل تستطيع شركة مدرجة إنشاء وقف؟
نعم، لا يوجد ما يمنع الشركة المدرجة من وقف أصول أو تأسيس مؤسسة أهلية أو الاشتراك في صندوق وقفي. لكنها تخضع لاعتبارات إضافية، منها قواعد لائحة حوكمة الشركات في تعارض المصالح والمسؤولية الاجتماعية، ومتطلبات الإفصاح للسوق عند كون القرار جوهريًا.
هل يبقى للشركة دور في إدارة الوقف؟
يمكن للشركة أن تحدد في شروط الوقف الناظر وآلية تعيينه، وقد تكون جهة تابعة لها إذا كانت مرخصة لأن الناظر الاعتباري يشترط ترخيصه. لكن الوقف شخصية مستقلة، وتخضع النظارة لإشراف الهيئة العامة للأوقاف، فلا تُدار أمواله كأموال الشركة.
كيف يُفصح عن الوقف في القوائم المالية؟
تُعالج المساهمة محاسبيًا وفق المعايير المحاسبية المعتمدة في المملكة وبالتنسيق مع المراجع الخارجي، لأن خروج الأصل من ملكية الشركة يختلف أثره عن الالتزامات السنوية. كما يُشار إلى المساهمات الاجتماعية في تقرير مجلس الإدارة وفق متطلبات الإفصاح المنطبقة على الشركة.
المصادر
- هيئة السوق المالية — لائحة حوكمة الشركات (آخر تعديل 18 يناير 2023)
- اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية — أم القرى (6 فبراير 2026)
- الهيئة العامة للأوقاف — مئة سؤال وجواب عن الأوقاف
- هيئة السوق المالية — دليل صناديق الاستثمار الوقفية
تحتاج إلى رأي قانوني في حالتك؟
احجز استشارة مع الفريق المختص، ويصل طلبك مباشرة إلى المحامي المسؤول عن القطاع.